بعد أشهر طويلة من الخلافات بين إسرائيل ومصر حول آلية استئناف العمل في معبر رفح الحدودي، أُعيد فتح المعبر أمس، في خطوة وُصفت بأنّها تقدّم محدود، لكنه مهمّ في إطار وقف إطلاق النار القائم بين إسرائيل وحركة «حماس». ويُعدّ معبر رفح المنفذ البري الوحيد لقطاع غزة إلى مصر، وقد استمر مغلقاً إلى حدّ كبير منذ أيار 2024، أي لما يقارب 20 شهراً.
إعادة فتح المعبر، في أقصى جنوب القطاع، ستسمح للمرّة الأولى بعودة بعض الغزيِّين الذين نزحوا خلال الحرب المستمرة منذ عامَين، وإن كان ذلك بأعداد محدودة في المرحلة الأولى. كما يُتوقع أن تُسرّع خروج آلاف المرضى والجرحى الذين ينتظرون منذ أشهر فرصاً للعلاج خارج القطاع. ويأمل القائمون على هذه الخطوة، أن تُمهّد لإحداث تحسّن تدريجي في الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها الفلسطينيّون في غزة.
وبحسب مسؤولين إسرائيليّين، بدأت أولى المجموعات الفلسطينية بالعبور في الاتجاهَين، على أن تُعلن الأرقام النهائية لاحقاً. وفي مستشفى تابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في خان يونس، انطلقت حافلة صغيرة قرابة الواحدة ظهراً باتجاه معبر رفح، تقلّ 5 مرضى، يرافق كل واحد منهم مقدّمَو الرعاية.
كان من بين هؤلاء محمد مهدي (25 عاماً)، الذي رافق والده أكرم مهدي (61 عاماً)، وهو مهندس ميكانيك أُصيب في نيسان 2024 جرّاء غارة جوية إسرائيلية قرب منزلهما في مخيّم للاجئين وسط غزة. وبحسب محمد، اخترقت شظايا وجه والده، فأفقدته البصر في عينه اليمنى وألحقت أضراراً بالغة بعينه اليسرى، ولم يتمكن الأطباء داخل غزة سوى من تثبيت حالته: «أخيراً سنتمكن من الحصول على علاج متقدّم في الخارج».
حتى منتصف النهار، لم يكن واضحاً عدد مَن تمكّنوا فعلياً من عبور الحدود في أي من الاتجاهَين، كما لم تُسجَّل عودة أي نازحين إلى غزة حتى ساعات بعد الظهر الأولى.
الخلاف بين إسرائيل ومصر حول إعادة فتح المعبر استمر لأشهر، وهو جزء من خطة أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة. وعلى رغم من دخول وقف إطلاق نار هش حيّز التنفيذ في تشرين الأول، أبقت إسرائيل المعبر مغلقاً كورقة ضغط إلى حين استعادة جميع الرهائن الذين أُسروا في هجوم «حماس» في 7 تشرين الأول.
الهشاشة التي تُميِّز الهدنة بدت واضحة نهاية الأسبوع، إذ شنّ الجيش الإسرائيلي سلسلة غارات جوية على غزة السبت، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 26 شخصاً، بينهم أطفال، وفقاً لمسؤولين صحيِّين محليِّين. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنّ الضربات استهدفت مسلّحين ومنشآت أسلحة، رداً على ما وصفه بانتهاك «حماس» للهدنة في منطقة رفح.
قبل سيطرة إسرائيل على رفح في أيار 2024، كان المعبر بمثابة شريان حياة ومتنفّس لمليونَي غزّي. فإسرائيل ومصر تفرضان منذ سنوات قيوداً صارمة على حدود القطاع البرية، كما تفرض إسرائيل حصاراً بحرياً بدعوى منع تهريب الأسلحة. وفُتح المعبر لفترة وجيزة خلال هدنة موقتة الشتاء الماضي، لكن فقط للسماح لبعض المرضى بالسفر للعلاج.
اليوم، ومع إعادة فتحه مجدّداً، سيعمل المعبر بطاقة محدودة وتحت رقابة مشدّدة. وأوضح مسؤولون أنّ العبور سيقتصر في البداية على عشرات الأشخاص يومياً دخولاً أو خروجاً. وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنّ إسرائيل ستتولّى الإشراف الأمني العام من دون وجود قوات إسرائيلية داخل المعبر، مشيراً إلى احتمال السماح بدخول نحو 50 شخصاً يومياً، مع السماح لعدد أكبر بالمغادرة: «لن نمنع أحداً من المغادرة».
في المقابل، لن يُسمح في المرحلة الأولى بدخول شاحنات البضائع عبر المعبر. وستُقدِّم مصر يومياً قائمة بأسماء الراغبين في الدخول أو الخروج للسلطات الإسرائيلية من أجل التدقيق الأمني. كما ستُشرف بعثة مدنية تابعة للاتحاد الأوروبي على المعبر، بمشاركة موظفين من السلطة الفلسطينية، وفق آلية مشابهة لما كان معمولاً به سابقاً.
وبما أنّ الجانب الغزّي من المعبر يقع في منطقة باتت خاضعة لسيطرة إسرائيل، فإنّ التنقل من وإلى المعبر داخل غزة سيكون منسقاً بدقة مع السلطات الإسرائيلية، مع إخضاع الداخلين لإجراءات فحص إضافية في ممر خاص تشغله قوات الأمن الإسرائيلية.
في القاهرة، لا تزال «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، المجموعة التكنوقراطية الفلسطينية المكلّفة بالمساعدة في إدارة القطاع، بانتظار تحديد موعد لدخولها غزة. وخلال وجودها في القاهرة، يعمل أعضاء اللجنة على إعداد خطط لإغاثة القطاع وإعادة إعماره، والمشاركة في تدريبات متعلّقة بالحكم، وعقد لقاءات مع مسؤولين. ووصف رئيس اللجنة علي شعث إعادة فتح المعبر بأنّها «بداية مسار طويل لإعادة وصل ما انقطع وفتح نافذة أمل حقيقية لشعبنا في غزة».
بالنسبة إلى الراغبين في مغادرة القطاع، ستُعطى الأولوية للمرضى والجرحى الموافَق على علاجهم في الخارج. ووفق الأمم المتحدة، هناك نحو 18,500 شخص، بينهم 4,000 طفل، على قوائم الإجلاء الطبي. وعادةً ما يرافق المريض أحد أقاربه أو مقدّمو الرعاية.